ابن عربي

138

شجون المسجون وفنون المفتون

وما تحته ، ممّا يعلم وممّا لا يعلم ، فمتى غلب عليها حال من سائر الأحوال ألحقت بما غلب عليها ، فتعود النّفس بذاتها ، ملكا ، أو شيطانا ، أو حيوانا ، أو نباتا ، أو معدنا ، أو غير ذلك مما علاردنا . وكما أنّ لكلّ موجود في الكون أثرا في الوجود بحسبه على قدر قوّته وضعفه ، كذلك لكلّ حالة في النّفس أثر « 1 » إذا اتّصفت النّفس بتلك الحالة ، وتعود النّفس مخاطبة لإيّاها بصورة ذلك الحيوان ، أو الإنسان ، أو الملك ، أو الشّيطان ، أو ترى ما يوجب لها هيئة من الهيئات . وفي الشّريعة في كثير من المواضع أسماء لحالات نفسانيّة ، قد سميّت كلّ حالة باسم ، وكذلك ما جاء ظاهرا في الوجود إنّما ضرب لها به مثال ، والمراد تلك الحالات لتستقرّ في النّفس بالأمثال كما في قصّة آدم وإبليس ، وغير ذلك ، والمراد ما يستقرّ في النّفس من المثل ، لا نفس المثل ، فالكلّ في الدّارين أمثال أسماء لحالاتها ، وتنبيه على الاتّصاف بأفضل صفاتها ، وإذا استقرّ هذا فاعلم أنّه كانت أجزاء جسد الإنسان مثبوتة في العناصر ، ولها نفس تخصّها ، ثم انتقلت في الأطوار مترقيّة إلى هاهنا . فلما كملت البنية ، وقفت ولم تقف النّفس ، فهي أبدا كما كانت تخلع وتلبس صورة تخصّها ، كما كان القالب من حين العدم المطلق إلى أن وقف ، وكما أنّه في كلّ طور يملك ما كان له قبله ويزيد على المقدّم تاليا ، فكذلك النّفس لا تزال حتّى تملك سائر الموجودات من الصّور والهيئات ، وسائر ما تعبّر عنه في المقولات ، ثمّ تخلع ما في وسعها أن تخلعه من المعقولات ، وتعود قابلة ما عليها ، يرد من الواحد الأوّل كفاحا ، وهي أيضا تخلع وتلبس مترقّية فقيرة إلى ورود الاستقبال ، غنيّة عن الماضي والحال ، ومن هاهنا جدّ السّفر ، ومحي الأثر ، وانقطع الخبر ، والحمد للّه والصّلاة على رسول والسّلام [ 35 / آ ] .

--> ( 1 ) في م : « أثر بها »